جاري التحميل

ألبانيا وصربيا: شراكة في كرة القدم لتضميد الجراح القديمة

يمثل الإعلان عن مشاركة ألبانيا وصربيا في استضافة بطولة كأس الأمم الأوروبية لكرة القدم تحت 21 عامًا في عام 2027 لحظة مهمة في تقاطع كرة القدم مع السياسة والتاريخ.

بالنسبة للدول التي طالما كانت منقسمة بسبب العداوات العميقة الجذور، يمثل هذا المشروع المشترك محاولة جريئة لرأب الصدع الثقافي والتاريخي. ومع ذلك، فإن الطريق إلى هذه الشراكة لم يكن سهلاً على الإطلاق، والرهانات كبيرة حيث يهدف الاتحاد الأوروبي لكرة القدم إلى استخدام كرة القدم كأداة للمصالحة. وتتمثل خلفية هذا التعاون في تاريخ الصراع المثير للجدل، سواء داخل الملعب أو خارجه. لا تزال "مباراة الطائرات بدون طيار" الشهيرة في أكتوبر 2014 خلال تصفيات يورو 2016 بين صربيا وألبانيا محفورة في ذاكرة مشجعي كرة القدم والمراقبين السياسيين على حد سواء. في تلك المباراة، التي أقيمت في بلغراد، اندلعت الفوضى عندما نزلت طائرة بدون طيار تحمل علم "ألبانيا الكبرى" إلى أرض الملعب، مما أدى إلى اندلاع شجار كبير بين اللاعبين والمشجعين.

أُجبر لاعبو ألبانيا على الفرار من الملعب، وأدى الحادث إلى تداعيات دبلوماسية بين البلدين. في نهاية المطاف، منحت محكمة التحكيم الرياضية ألبانيا الفوز لألبانيا في نهاية المطاف، لكن الضرر الذي لحق بالعلاقات كان عميقًا. وبالانتقال سريعًا إلى عام 2027، أثار إعلان الاتحادين الألباني والصربي لكرة القدم عن عرض مشترك لاستضافة بطولة تحت 21 عامًا الدهشة. ويعكس قرار الاتحاد الأوروبي لكرة القدم بدعم هذه المبادرة طموحه في استخدام كرة القدم كقوة موحدة في منطقة تتسم بالانقسامات التاريخية. ووفقًا لأرماند دوكا، رئيس الاتحاد الألباني ونائب رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، فإن البطولة يُتصور أن تكون "حافزًا لكسر الحواجز وتعزيز التفاهم المتبادل وخلق مستقبل أكثر إيجابية لشعبي ألبانيا وصربيا". هذه الرؤية المثالية لا تخلو من المنتقدين. إذ يرى الكثيرون أن الرياضة وحدها لا يمكنها أن تداوي جراح التاريخ.

ولا تزال حرب كوسوفو في أواخر التسعينيات، والتي أدى خلالها صراع صربيا مع سكان كوسوفو ذوي الأغلبية العرقية الألبانية إلى فظائع، مصدر ألم عميق. وقد أعربت مجموعات مختلفة عن شكوكها حول المبادرة، بما في ذلك رابطة الألتراس الألبانية ذات النفوذ، تيفوزات كوتش إي زي، التي احتجت على التعاون. وتعكس مشاعرهم انعدام الثقة المستمر بين قطاعات من السكان. وقد أبرزت الاحتجاجات خلال المباريات، مثل اللافتات التي تدين تصرفات صربيا في كوسوفو، تحديات استخدام كرة القدم لتوحيد الطوائف المنقسمة. وعلى الرغم من العقبات، إلا أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم واتحادي كرة القدم مضوا قدمًا في هذا الصدد. تعد اتفاقية الاستضافة المشتركة خطوة لوجستية إلى الأمام، حيث تستفيد من ملعب أرينا كومبيتاري الحديث في تيرانا في ألبانيا والبنية التحتية لكرة القدم في صربيا.

ومع ذلك، فإن هذه الشراكة هي أكثر من مجرد حل عملي - إنها بيان نوايا من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم لإظهار قوة كرة القدم كقوة تصالحية. ستواجه هذه المبادرة أول اختبار مهم لها خلال تصفيات كأس العالم 2026، حيث أوقعت القرعة ألبانيا وصربيا في نفس المجموعة. وتقدم المواجهات السابقة بينهما، بما في ذلك مباراة متوترة في عام 2015 في إلباسان تحت حراسة أمنية مشددة، لمحة عن التحديات المقبلة. تضمنت الإجراءات الأمنية خلال تلك المباراة تمركز القناصة فوق الملعب، مما يسلط الضوء على الاحتياطات القصوى المطلوبة لمنع العنف. ومما لا شك فيه أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم سيكون في حالة تأهب قصوى تحسباً لأي حوادث قد تشعل التوترات من جديد. وبالنسبة للبطولة نفسها، فإن التركيز لن ينصب فقط على جودة كرة القدم ولكن أيضًا على التأثير الاجتماعي الأوسع نطاقًا.

وقد أكد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم على الفوائد الاقتصادية المحتملة، بما في ذلك زيادة السياحة وتطوير البنية التحتية لكلا البلدين. ومع ذلك، لا يمكن المبالغة في الأهمية الرمزية للحدث. فالنجاح سيشير إلى خطوة نحو تطبيع العلاقات بين ألبانيا وصربيا، في حين أن الفشل قد يعمق الانقسامات ويقوض مصداقية الاتحاد الأوروبي لكرة القدم كقوة للوحدة. كرة القدم لها تاريخ في تعزيز المصالحة، ولكن لها أيضًا تاريخ في تأجيج الخصومات. إن العرض المشترك لاستضافة يورو 2027 هو مقامرة، لكن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم يعتقد أنها تستحق المغامرة. إذا سارت البطولة بسلاسة، فقد تكون بمثابة نموذج لكيفية مساهمة الرياضة في تضميد الجراح التاريخية.

أما إذا تعثرت، فستكون بمثابة تذكير صارخ بحدود القوة الناعمة لكرة القدم. في نهاية المطاف، فإن تعاون ألبانيا وصربيا في بطولة كأس العالم تحت 21 سنة هو أكثر بكثير من مجرد كرة القدم. إنه اختبار لما إذا كانت الرياضة قادرة حقاً على توحيد المجتمعات المنقسمة وتمهيد الطريق لمستقبل أكثر انسجاماً.

وبينما يراقب العالم كله، يراهن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم وألبانيا وصربيا على اللعبة الجميلة لتحقيق شيء استثنائي.

مقالات ذات صلة
انتقل إلى الأعلى